ثورة .. أسلوب إنتاج المعرفة (by Estella Carpi, January 2015)

Original Source: ad-Doha Magazine.

http://www.aldohamagazine.com/article.aspx?n=370812FF-2660-4210-8670-12F89DE1873A&d=20150101#.VKVy1mSUec-

استيلّا كاربي*

هذا المقال لا يهدف إلى التّعبير عن وجهة نظر واحدة من بين وجهات نظر آلاف الباحثين والباحثات في الغرب عما يُصْطَلح على تسميته «الرّبيع العربي». كما لا أعتقد أنه يعبر عن رأي عقلاني غربي واحد، قد يكون ربما مضللاً ومصطنعاً لمجرد الاعتقاد أن فرداً واحداً يمكن أن يمثّل فئة الغربيين أو غير الغربيين أجمع.

في العالم العربي، هناك شيء أهمّ يجدر الاهتمام به في أعقاب الانتفاضات الأخيرة: هو التّحالفات والمعارضات الأيديولوجية الجديدة التي يجري إنشاؤها، والتي تمسّ التغيرات السياسية الرّاهنة في إقليم الشرق الأوسط، على نطاق واسع.

قطاع من اليسار الغربي أظهر جانباً فكرياً أصولياً في أيديولوجيته، التّي هي المقاومة المناهضة للإمبريالية الغربية فقط. وفي الوقت نفسه، دعم الأنظمة الشرقية التي تقاوم الاستعمار الغربي على السّطح. هناك قسم من الناس يفكّر أن الانتفاضات العربية جاءت نتيجة مؤامرة حاكتها السّلطات الأجنبية الجشعة اقتصادياً، وهي مؤامرة تهدف إلى تقسيم الشّرق الأوسط، حسب مصالحها السياسية والاقتصادية.

المفارقة أن هذا الموقف السّياسي يٌشبع التّفسيرات الاستشراقية للمجتمعات العربية، حيث يعيش مواطنون غير نشطين من الناحية السياسية وأوفياء للسلطات القائمة فيها، وبشكل عامّ فقد ظلّ يُنظر إلى العرب على أنهم لا يفقهون الديموقراطية ولا يفهمون أشكالها القابلة للتحقيق.

يصوّر هذا المنظور العرب كعملاء للسياسة الغربية، وكمحرومين من حقوقهم، كما لو أنهم راضون جميعاً بالديكتاتوريات، بشكل طبيعي ويدعمون أساليب الحكم الشمولي لتنظيم مجتمعاتهم. من هذا المنظور، «العرب» يتماهون مع دور الأميركان في مجتمعهم، وتظل الشعوب العربية محرومة من أي فعل سياسي في تلك الأيديولوجية.

هذه هي الآثار الأيديولوجية التي سبّبت انفصالاً جديداً في حضن اليسار العالمي. وهذا الانقسام السياسي الجديد في قلب البيئات اليسارية يشبه الانقسام الفكري الّذي فصل الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين عن بعضهم البعض، وغيرهم الكثيرون في العالم العربي، في مواجهة الثورات الاجتماعية العربية الشعبية.

«الشّرق» و«الغرب» وصلوا إذاً إلى تناول تغيرات أيديولوجية متشابهة.

ومع ذلك، هذا الموقف من «الربيع العربي» باعتباره مؤامرة أميركية تهدف إلى إعادة تشكيل حدود الشرق الأوسط ينتج من ميل متواجد منذ فترة ليست بعيدة في الدبلوماسية الغربية، التي تطلق مسميات الدول «الإرهابية» و«المارقة» و«دول فاشلة»، على حكومات دول لا تحظى بشعبية، وغير مقبولة في الحكومات الغربية الأقوى، ومن ثم، لدى الجمهور الغربي.

من جهة أخرى، صوّر العديد من وسائل الإعلام الغربية الاحتجاجات العربية بتعاطف، مُبرزة، في الوقت نفسه، دور الغرب كنموذج وحيد للديموقراطية، وممهداً للسياسة المحضّرة لكلّ الشعوب.

في إطار هذه الرّؤية، قسم واسع من الجمهور الغربي وصنّاع الرأي العام العالميين وبّخوا المجتمعات العربية على عدم تنظيم القطاعين العسكري والمدني، وقوى المعارضة السياسية (باستثناء تونس)، وانتقدوا بشدّة المواطنين العرب الذين لم يتخلوا بعد عن الاستعانة بالحكومة، بالاستفادة من الخدمات المُوفّرة من حكوماتهم، أدى هذا الميل الجزئي للحلّ الوسط إلى فشل التغيرات السياسية والاجتماعية الأساسية.

غالباً، يقوم تفسير صناع الرأي العام الغربيين على فشل أغلبية الانتفاضات العربية على حجة عدم النّضج السّياسي لتشكيل معارضة سياسية قوية ومتجانسة، مما أدى إلى بروز العنف المنظّم سلفاً على الأرض، الذي أسقط الأنظمة العربية من الحكم بسهولة أكبر.

النّقد الغربي مبني أولاً على فكرة انحراف «طبيعي» لمنطقة الشرق الأوسط الواسعة تجاه الإسلام الراديكالي أو الطائفية.

على ضوء هذا التنوّع التمثيلي الموجود في وسائل الإعلام الغربية، وكذلك في نظريات المعرفة بالعالم العربي نفسه، فقد ربط بعض المختصين الاتجاهات التفسيرية الجديدة بما كان يسميه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد بـ «الاشتراقية». باعتبار أن «الغرب» هو الذي يخلق الشرق، وهو القادر على التنبؤ بالجغرافيا السياسية وما سيحدث في الإقليم، وهو الذي يحدّد تعريف الديموقراطيات التقليدية والديموقراطيات غير التقليدية، وعموماً، الغرب هو الذي ينظر إلى المنطقة كما لو أنها زوبعة مُزمنة من الاضطراب السياسي والطائفي، مصيرها العيش تحت الديكتاتوريات في الواقع أو بحكم القانون. في هذه المسألة، المثل السّوري «فخّار بيكسّر بعضو» يعبر عن الصّور النّمطية المُتكرّرة الّتي خلقها «الآخر» حول فكرة الحرب المزمنة بين الشعوب العربية.

وأخيراً، عندما يعبر باحثون غربيون وصناع الرأي العام، أو مواطنون عاديون في المجتمعات الغربية عن «خيبة أمل» لديهم في ما كان يسمى في البداية «الربيع العربي»، برأيي، هم مازالوا يتجاهلون على نطاق واسع أن التغييرات الاجتماعية والفكرية هي عمليات تاريخية، وبالتأكيد ليست أحداثاً. وعلاوة على ذلك، ينسى هؤلاء المفكرون والمدنيون أن عودة هذه المجتمعات العربية إلى ما كان قبل الانتفاضات وقبل الانهيار اللّاحق لتوازن السّلطة في بلدانهم هي فرضية مستحيلة على المستوى الاجتماعي.

على الرغم من أن بعض الأنظمة الإقليمية قد قلبت، ومع أن الحكّام الجدد لم يُظهِروا بالتأكيد استعداداً للانفتاح على السياسة التشاركية مثل الأنظمة الماضية (كما هو الحال في مصر)، فإن العنصر الاجتماعي قد نضج وتطوّر ومهّد الطريق إلى مراحل تاريخية جديدة، التي لم يقدّرها الغرب بالضّرورة ولم يتوقّعها.

قسم من المفكّرين الغربيين في شؤون المجتمعات العربية، الذين لم يغرقوا في الذاتية الفكرية وتحدّثوا مباشرة مع الفاعلين الميدانيين وعاشوا الأحداث على أرض الواقع، كانوا غير مرئيين في وسائل الإعلام الرئيسية في الغرب، كما جرت العادة دائماً. قيمة التجارب على الأرض مع السّكان المحليين والأجانب في الانتفاضات والحركات السياسية، ووسائل الإعلام الجديدة التي ازدهرت في أعقاب ذلك، كلها تجارب لها الإمكانية لحشد مزيد من التعاطف الإنساني، وليس فقط شفقة وحنان.

في الختام، ما هو أكثر أهمية للمناقشة، من وجهة نظري الشّخصية، ليس التنبؤات حول النظام الجيوسياسي، التي يتم توجيهها بشكل مستمر في البلدان الغربية حالياً. أو التساؤل عمن سيستفيد من التوازن الإقليمي في المستقبل، أو ما هي «الدّول المارقة» الجديدة.

ما يحتاج إلى نقاش نشيط هو ما هي لغة حقوق الإنسان والأفكار السياسية الّتي سيصنعها الناس في هذه المرحلة الانتقالية.. المرحلة التي لا تعتبر حتى الآن.

في هذه العملية التاريخية ما يبقى في الغرب الخيالي، الذي يضمّ أيضاً مدنيين ورثوا أساليب المعرفة والتغير الغربية هو فرصة إلغاء الفئات الوجودية الّتي ولدتها القرون الماضية (أبيض، أسود، شرق، غرب، إلخ) وتعلّم نحو جديد لطريقة الاحتجاجات وتحسباتها الدّاخلية.

مع الأسف، اعترف «الشمال العالمي» بمعاناة الشعوب العربية وشاهد العنف الدوّلي ضدّ المواطنين أو عنف الإرهابيين ضدّ الدّولة حسب الموقف السّياسي ما دام الناس يستخدمون النّحو الغربي في التعبير عن وعيهم السياسي والإنساني. في الوقت الحاضر، كنتيجة للربيع العربي لا بد من مواجهة «إمبريالية جديدة للمعاناة»، أسيرة الرؤيات الأيديولوجية، إذ لم يأخد الفكر الغربي والشرقي المتشابه له فرصة الثورة الكبرى التي نحتاج لها: ثورة أسلوب إنتاج المعرفة وتكوين الرأي من جذورها. بعبارة أخرى، فرصة معرفة مزيدة للتشابهات والاختلافات الثّابتة في أي مجتمع، مهما كان الموقع الجغرافي.

*أكاديمية إيطالية مُستعربة

Advertisements
Categories: Uncategorized | Leave a comment

Post navigation

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Blog at WordPress.com.

Exiled Razaniyyat

Personal observations of myself, others, states and exile.

Diario di Siria

Blog di Asmae Dachan "Scrivere per riscoprire il valore della vita umana"

YALLA SOURIYA

Update on Syria revolution -The other side of the coin ignored by the main stream news

ZANZANAGLOB

Sguardi Globali da una Finestra di Cucina al Ticinese

Salim Salamah's Blog

Stories & Tales about Syria and Tomorrow

invisiblearabs

Views on anthropological, social and political affairs in the Middle East

tabsir.net

Views on anthropological, social and political affairs in the Middle East

SiriaLibano

"... chi parte per Beirut e ha in tasca un miliardo..."

Tutto in 30 secondi

appunti e note sul mondo islamico contemporaneo

Anna Vanzan

Views on anthropological, social and political affairs in the Middle East

letturearabe di Jolanda Guardi

Ho sempre immaginato che il Paradiso fosse una sorta di biblioteca (J. L. Borges)

%d bloggers like this: