المسلمون في أوروبا أو مسلمو أوروبا؟ (by Estella Carpi, June 2015)

http://www.aldohamagazine.com/article.aspx?n=919E62BA-C357-4CE9-B5D4-E08F364F1789&d=20150601#.VX_7JPkYzIV

قبل كلّ شيء، لا يمكن الحديث عن وجود المسلمين في أوروبا دونما مناقشة الأبعاد الاجتماعية والثقافية للهجرة، وتعدّد الثقافات في منطقة البحر الأبيض المتوسط. ألمانيا وفرنسا هما الدولتان الأوروبيتان اللتان تستضيفان أكبر عدد من المسلمين: هاجر إليهما البعض منهم من بلدانهم الأصلية، وآخرون ولدوا في أوروبا.

كثيراً ما يُنظر إلى وجود الإسلام المتزايد في أوروبا كمشكلة بالفطرة، كأنّه لم يكنْ هناك سياق للاستجابة مع هذا الوجود، وكأنه لم تكنْ هناك عوامل معينة خلقت ذلك، وعلى سبيل المثال، لمّا وقع هجوم باريس يناير الماضي، الذي استهدف رسّامي الكاريكاتير في مجلّة «شارلي ايبدو»، لم تُناقش وسائل الإعلام الدولية الجنسية الأوروبية لمنفذي الهجوم نفسه، ولم تُذكر كلمة عن فرنسا وإدارتها الاجتماعية للشؤون الدينية والسياسية الخارجية، مع أن هذا الأمر لا يبرّر أفعال منفذي الجريمة بشكل كلّي.

بطريـقــة غــيـر مـوضـوعـيــــــة، أصبحت الهويّة الإسلامية لكثير من الأوروبيين تتحمّل وزر أحداث سّلبية مثل هجوم باريس، وفاة المخرج الهولندي ثيو فان جوخ في 2004، وهكذا دواليك. ومن ثَمّ، يقتصر الحديث عن المسلمين في أوروبا على التطرّف العنفي والطّرق الّتي يلجأ إليها «العالم الأول المتحضّر» لمواجهتها.

الباحث محمّد أركون كان يعتقد أن الأفكار والرؤى التابعة لفرد أو لمجموعة اجتماعية، أو لأمة، تتكوّن من مجموعة من الصور التي تحملها ثقافة معينة عن نفسها وعن الثقافات الأخرى، ويعزّز أركون الفكرة بالقول إنه لا يمكن لـ«الذاتية المسلمة» في أوروبا أن تنتمي إلى ثقافة متجانسة، إنما هي تشمل مجموعة كبيرة ومتنوّعة من التراث الثقافي والأخلاق السلوكية. ومع ذلك، الاحتكاكات الاجتماعية وتنميط «الآخر» والتمييز المتبادل، بدلاً من الاختراق الثقافي المتبادل، تساهم في ترسيخ ثنائية المسلمين/غير المسلمين.

ويعــني الحـديـث عن «الــذات المسلمــة» في أوروبا الإشراك والتهميش في المجتمع، وتُثير هذه الظواهر الاجتماعية شعوراً بالاغتراب الاجتماعــي والثـقـافي والتـمـيــــيـز والحرمان والضعف المجتمعي في كثير من الحالات.

وعلى الرغم من ذلك، فقد جادل العديد من النّقاد بأنه لا يوجد في العالم مجتمع متساوٍ ومُتعدّد الثقافات ومندمج بشكل كامل، والثقافات ذاتها لاتزال حصينة ومنفصلة عن بعضها البعض في أي وضع اجتماعي. وهكذا، غالباً ما يُقدَّم الاندماج الاجتماعي والاستيعاب كحلول مؤقتة. وعلى وجه التحديد، تتمّ مناقشة الاندماج الاجتماعي فيما يتعلّق بقوانين الجنسية والهجرة، والخدمات الاجتماعية، مثل التعليم والصّحة وأمن المجتمعات، الضمان الاجتماعي وإدارة المؤسسات الدينية.

ويفضّل «الغرب»، بصفة عامّة، حماية المهاجرين والمسلمين طالما أنهم يبقون في بلدانهم، ولا يحاولون الوصول إلى الدول الغربية، ولهذا الغرض ترسل الدول الأوروبية إمدادات طارئة وتمويلات وتبرّعات إلى المناطق التي تعرف حروباً أو تدفقاً للفارين منها، ولكن، هذه السياسات مضلّلة، ومن الضروري تعديلها، فنحن بحاجة إلى مناقشة الهويّات الإسلامية بطُرُق مختلفة، بـــمـوجــب السـيـاقـات الاجـتـماعـيـة والثقافية والخصائص الاقتصادية.

الهويّة المسلمة

في مجتمع غربي

قالت عالمة الاجتماع جوسلين سيزاري إن سوء فهم كبيراً وقع في الغرب عندما شاهد المواطنون الأوروبيون بناء مساجد، ونظروا إلى المسلمين كمستعمرين للفضاء الاجتماعي. وكان ذلك في الواقع عكس الاستعمار، بل اعترافاً بأن المسلمين يشعرون بأنّهم في بيتهم. بناء المساجد لا يعني استعماراً، ولكن استقراراً، لتصبح هويات المسلمين المتعدّدة جزءاً جوهرياً من المشهد المجتمعي، ويعتمد هذا التغيير على الاعتراف السياسي والاجتماعي بهم في أوروبا، وما يظلّ ينقصنا في العصر الحديث هو اللقاءات والاختراقات الفكرية المتبادلة، اللتي ستؤدي بالناس إلى تفكير نقدي أعمق.

مع ذلك، من الممكن أن نتحدّث عن هويّة متماسكة للمسلمين في أوروبا في بعض المجالات، وعلى سبيل المثال شادي، مهاجر انتقل مؤخراً إلى أوروبا، يُسلّط الضوء على الطُرق التي يمكن أن نصف بها «الذات المسلمة» في السيناريو الأوروبي: «كمسلمين في أوروبا وفي أماكن أخرى، أعتقد أننا مختلفون. نحن مختلفون ليس فقط عن بعضنا البعض ضمن الجالية المسلمة، ولكنّنا أيضاً مختلفون عن غير المسلمين. ففي كلّ بلد أوروبي تعني «الذاتية المسلمة» شيئاً مختلفاً، ولمّا يزداد عدد المسلمين في بلد مُعيّن، تُصبح الحياة الاجتماعية أسهل بالنسبة لنا، ففي هذه الحالة نشعر بالغربة، بشكل أقلّ، ونحسّ أكثر أن المجتمع يتقبّلنا، ولا يتعامل الناس معنا على أساس الانتماء الديني». يصف شادي «الذاتية المسلمة» في أوروبا بأنّها ضحية الكليشيهات وإجبار للمسلمين على التعامل مع الصور النمطية التي تُرسَم عنهم، وأضاف المتحدث نفسه أنّه بإمكان المسلمين تغيير تلك الصور من خلال اللقاء مع الناس والامتزاج بهم. «البعض منهم اندمجوا في المجتمع المُستضيف بسرعة وحافظوا على جميع عاداتهم الدينية، وعلى النقيض، غادر آخرون عاداتهم ولكن لم يتمكّنوا من الاندماج بعد…». ويشدّد شادي على استحالة رسم نمط متماسك للذّات المسلمة في أوروبا، ونمط العلاقات الشخصية داخلها، إذ لا يعكس التماسك ما يحدُث على أرض الواقع في أغلبية الحالات.

التعدّد الثّقافي

ويشكّل الخوف من الإسلام مثالاً سلبياً لكيفية التعامل مع المسلمين في أوروبا، والطُرق التي يُنظر إليهم فيها، ومن ثَمّ تنتشر أفكار معادية للمسلمين وللإسلام بذاته في وسائل الإعلام وفي الحياة السياسية الأوروبية بمعنى أوسع في الوقت الحاضر. في هذا الصدد، جادل الأنثروبولوجي الإيطالي الدكتورغابرييل مرّانشي بالقول إن أوروبا تشعر بحاجة لرسم خطوط الفصل بين تقاليدها اليهودية المسيحية من جهة، والدين والثقافة الإسلاميين من جهة ثانية. وأتى هذا الخوف من فرضية أن الإسلام، في بيئة مُتعدّدة الثقافات وغير معادية لها، قد يتمكّن من تحويل أوروبا نفسها. إذا جاز التعبير، يبدو أن أوروبا تطلب من سكانها المسلمين أن يظلوا «مسلمين في أوروبا» وألّا يصيروا «مسلمي أوروبا». ويقع في جذور هذا الطلب الضمني تصوير الثقافة الإسلامية كثقافة غريبة عن المجتمع الغربي.

المســــلــمــون يشـــعــرون عـــادة بالتعرّض للتغريب الأوروبي. وعلى سبيل المثال، أحمد، رجل سوري يُقيم حالياً في السويد، يقول إن الناس يحدّقون فيه عندما يطلب طعاماً في المطاعم المحلّيّة، كما لو كان من واجبهم أن يعرفوا إذا هو طلب أي أغذية تحتوي لحم خنزير. ويضيف أحمد: «ولذلك، في بعض الأحيان الهويّة المسلمة هي مجرّد ما يريد الآخر أن يرى فينا». وشرح المتحدث ذاته أن بعض العراقيين واللبنانيين الذين هاجروا إلى أوروبا جراء الأزمات السياسية والعنف الدائر في بلدانهم، أصبحوا صارمين جدّاً بالنسبة للدين في تجربتهم الشخصية للهجرة، خوفاً من استضعاف هويتهم. مثلاً، ينعت بعض المسلمين المتفاعلين منهم مع الشّعب السويدي بالكفار. ومن ثَمّ، يضيف أحمد أن إشكالية المسلمين في أوروبا هي أحياناً وجود وجهات نظر المسلمين الآخرين، وليس بالضرورة الأوروبيين فقط، كما يعُتقد عادة.

«الذاتية المسلمة» هي وسيلة للحفاظ على الهويّة الشخصية في سياق هجين ومريب وغير معروف أو حتّى عدائي. وبالإضافة إلى ذلك يظنّ أحمد أن الناس يرتابون منه أكثر بعد هجوم باريس: «للأسف سمعة الإسلام في تراجع في العهد المعاصر، وذلك بسبب أعمال العنف التي تُرتكب باسم الإسلام».

وختاماً، ما يعني المسلمين في منظور الأوروبيين هو خوف اجتماعي من تحقّق مجتمع مُتعدّد للثقافات في يوم من الأيام، وفي إطار ذلك المجتمع سوف يُصبح الإسلام جزءاً من أوروبا نفسها بدلاً من تقليله وتبسيطه إلى التهميش الاجتماعي والعنف، وإلى «مشكلة» الهجرة والأمن في الغرب، أو ببساطة إلى تجسيد «الآخر».

Advertisements
Categories: Uncategorized | Leave a comment

Post navigation

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Create a free website or blog at WordPress.com.

Exiled Razaniyyat

Personal observations of myself, others, states and exile.

Diario di Siria

Blog di Asmae Dachan "Scrivere per riscoprire il valore della vita umana"

YALLA SOURIYA

Update on Syria revolution -The other side of the coin ignored by the main stream news

ZANZANAGLOB

Sguardi Globali da una Finestra di Cucina al Ticinese

Salim Salamah's Blog

Stories & Tales about Syria and Tomorrow

invisiblearabs

Views on anthropological, social and political affairs in the Middle East

tabsir.net

Views on anthropological, social and political affairs in the Middle East

SiriaLibano

"... chi parte per Beirut e ha in tasca un miliardo..."

Tutto in 30 secondi

appunti e note sul mondo islamico contemporaneo

Anna Vanzan

Views on anthropological, social and political affairs in the Middle East

letturearabe di Jolanda Guardi

Ho sempre immaginato che il Paradiso fosse una sorta di biblioteca (J. L. Borges)

%d bloggers like this: